اراء وافكار

الصفحة الرئيسة للاتصال بنا اعلانات واشتراكات عن المدى ارشيف المدى
 
 

الإرهــــــــاب والمـــــرأة
 

فاطمة المحسن

المرأة تقف على ضفتي هذا العالم الشائك،فهي مشاركة فيه مثلما هي ضحية من ضحاياه،مع انها أقل مشاركة من الرجل في العمليات الإرهابية، لا لورع يمايزها، بل لطبيعة هذا العمل العنيف الذي يحتاج الى شكيمة لايثق منفذوه بقدرة المرأة على بلوغها.
فكرة الإرهاب الجديد أي العمل الانتحاري كعقيدة، مورست على الأطفال خلال الحرب العراقية الايرانية،وكانت النساء ضمن هذا المنحى صاحبات المبادرة، فقد قدمن بإرادتهن أغلى ما يملكن، حيث زجت مكاتب التعبئة الحربية الايرانية مئات الأطفال في حقول الالغام بين العراق وايران،بعد أن أغرت الامهات بفكرة الإضحية الجديدة التي تُدخل الروع في قلوب الاعداء. كانت الأم تجلب طفلها الى مراكز الإعداد السريع في طهران،كي تُكتب على جبينه كلمة "شهيد" التي يفرح بها الصبيان فرح الأعياد حين يخالطها الشعور بتعميدهم كرجال بلغوا سن النضج. وفي فيلم وثائقي عن الحرب،صوره إعلام الثورة، نرى مواكب تشييع الصبيان التي تصاحبها الأناشيد الصاخبة،حيث تتحدث الأمهات أمام الكاميرا عن البسمات التي تعمّر وجوه أطفالهن وهم يلحقون بالركب الذاهب الى الجنة.
بعد مضي عقود على إنتهاء هذا التقليد في حياة الايرانيين ، ليست لدينا الان شهادات للنساء أنفسهن اللواتي دفعن أطفالهن الى هذا العمل المروّع، فهو يفتقد الى أي شرط من شروط الامومة التي تمايز جنس الأنثى حيوانا كانت أم بشرا، غير أن المخفي في مجتمعاتنا، يبقي الكثير من النيات التي بمقدورها التعتيم على فكرة الشعور بالخطيئة والندم. ولعل السنوات المقبلة وبعد ان تضاعف مبدأ الانتحار الحربي، ستضع العرب والمسلمين أمام مهمة النظر في هذه التجارب التراجيدية التي قلبت حياتهم رأسا على عقب، وستكون حرية تداول المعلومة التي تعتمد النظر في حياة الناس ووقائع يومهم ومشاعرهم،من بين أهم شروط التعاطي مع عالم يتسارع نحو الانفتاح. ولن يكون بمقدورنا تنحية مشهد الأمهات العربيات اللواتي يشجعن أبناءهن على الإنضمام الى مواكب قتل أنفسهم بعمليات إنتحارية سواء في أفغانستان في السابق أم العراق الآن أم غيره من البلدان العربية،فبيئة الارهاب تغذيها ثقافة المجتمعات ذاتها وثقافتها الأسرية على وجه التحديد.
الانتحاريون في الغالب، أقرب الى سن المراهقة حتى لو بلغ بعضهم العشرين، وهم ضمن مسؤولية الأمهات والأباء، فالأم التي لاتعرف أنانية حب فلذات الأكباد، هي أمّ مريضة، لأن غريزة الدفاع عن الحياة أحد أسرار الأمومة العظيمة، فهل نستطيع القول ان الامهات العربيات اللواتي يذهب أبناؤهن اليوم الى معسكرات الشهادة، يفتقدن تلك الغريزة؟ سيكون بمقدورنا الإجابة على هذا السؤال حين نبلغ مرحلة مكاشفة النفس،وإحترام فكرة المعالجة السايكولوجية لا السياسية فقط، لحالات المرض الاجتماعي.
على الضفة الاخرى حين تصبح المرأة ذاتها مشاركة في تلك العمليات، تبدو الحالة هذه أكثر إقترابا من فكرة الفداء بمفهومها المشروط بإعتبارات الانوثة، ولعل الانباء التي تحدثت عن فتاتين مصريتين شاركتا في عملية إرهابية وقتلت إحداهما زميلتها ثم حاولت الانتحار، تقّربنا من فكرة رمزية للأنوثة، فالقتيلة خطيبة أحد الانتحاريين الذين قاموا بمهمة أخرى في الوقت عينه،والجريحة القاتلة هي أخته. هذا المشهد البوليسي المثير، الذي تمخض عن عملية القاهرة، لايحتاج الكثير من التأمل كي ندرك عنصر الضعف الانثوي فيه، ومفهوم الرغبة والتبرير في الاعمال الأرهابية، فالفتاة القتيلة تملك مسدسا، ولكنها لم تجرؤ على الانتحار، والمرأة التي قتلتها لم تستكمل فعل قتل نفسها.
هنا علينا النظر الى الإرهاب باعتباره عملا عنيفا موجها الى الذات والاخر معا،وسنجد الكثير من تجارب اليسار العالمي قد زجت النساء في تلك الاعمال، وكان صدى تلك العمليات أوقع من حيث التأثير النفسي، فقد جذبت منظمة " بادر ماينهوف" الالمانية، الكثير من الفتيات اللواتي إعتقل بعضهن بعد تنفيذ عمليات أوجعت السلطات، وكان إعدامهن قد أنهى مرحلة من النضال الفاعل لتلك المنظمة التي هزت ألمانيا.
مكاتب حزب الله التي استقبلت النساء كمتطوعات في العمليات الانتحارية،يمكن أن تُدرج ضمن مسلسل الخطوات التي قامت بها التنظيمات اليسارية اللبنانية في السبعينيات،تلك التي استخدمت النساء كأمثولة التضحية القصوى، مثلما حدث الأمر في الشيشان خلال السنوات الاخيرة، حيث فاق عدد النساء المشاركات في تنفيذ العمليات الارهابية عدد الرجال.
كل تلك الوقائع تساعدنا على إدراك قيمة أساسية في درجات الاختلاف حول التعاطي مع النساء حسب الاعراف المحلية، فالمجتمعات القبلية يربأ رجالها بأنفسهم إنزال المرأة هذه المنزلة الرفيعة، لذا لم نشهد إرهابيات في السعودية، وقصة المرأة التي لعبت دورا في ترسيخ خلايا القاعدة، لاتساعدنا على إعتبارها ظاهرة، فالمجتمعات التي يحتقر فيها رجال القبيلة الأشداء النساء، لاتستعين بهن في تلك الاعمال. من هنا بمقدورنا أن نشّخص إن الارهاب هو منظومة قيم تستنهض ممكنات العنف على وفق التقاليد المحلية.
غير أن مساهمة النساء في العمليات الإرهابية بقيت تخضع الى شرطها الانثوي، وهو شرط ينحاز بالضرورة الى فكرة الضعف الانساني والرحمة ومجانبة القسوة، وفي فيلم مصور عن هجوم الشيشان على مسرح في موسكو،بكت النساء قبل تفجير المكان، بشهادة من نجى من المذبحة.
بدأ الإرهاب العبثي على أجلى صورة له في الجزائر، وكان أكثر الضحايا من الاطفال والنساء اللواتي لم يكن بمقدورهن النجاة من سكاكين الجهاديين، فكانت القرى تستيقظ في صباحاتها الدامية على جثث القرويات المذبوحات والمغتصبات، وكانت الاحزاب الإسلامية والشرطة تتبادلان التهم عن تلك المذابح، ولكن تنفيذها بقي بأيدٍ لم تأت من خارج البلاد.
والحال كيف بمقدورنا تتبع الإرهاب في علاقته مع الكائنات الضعيفة من النساء والأطفال في المجتمعات التي يجتاحها؟ ليست لدينا أحصائيات موثقة، عن عدد النساء اللواتي تعرضن الى عمليات الخطف والاغتصاب والذبح في العراق، فالأهل في العادة يتسترون على فضيحة مثل هذه، بل ان بعضهم يسهم في استكمال ما بدأته عصابات الارهاب المنظم، وبعضهم يقتل المرأة التي تعود مغتصبة. المرأة هنا تبقى غنيمة حربية مثلما كانت على مر تاريخ الحروب، وهي عار الإهل عندما تفقد عذريتها حتى إن أرغمت بوحشية.
ولكن الارهاب العقائدي يضع في تخيله فكرة السطوة الرجولية وانتزاع الاعتراف السريع عبر العمل العنيف المباغت الذي لايقيم حدا بين الخير والشر. فالعنف كما يتفق الكثير من المنظرين وبمختلف اتجاهاتهم، ليس شيئاً غير التجلي الأكثر بروزا للسطوة،وهي صفة تبقى رجولية في مجتمعاتنا العربية والاسلامية.
الجماعات الاسلامية التي تمارس فكرة الانتحار والاجساد المفخخة، يقودها الطهرانيون الجدد الذين يستقطبون الشباب في دعوتهم الى المجتمعات الخالية من الرجس. وهم يشابهون في صيغ تنفيذهم لأعمالهم، إداء الحركات الطهرانية في الغرب المسيحي خلال القرن السابع عشر،حين أرادت العودة الى نقاوة المسيحيين الاوائل، ولكن الاختلاف يبرز في زاوية النظر الى النساء، فضمن الوضع الاجتماعي العربي، تصبح المرأة في عرف تلك الجماعات جزءا أساسيا من فكرة الخطيئة، إن لم تكن هي الخطيئة مجسدة. الطهراني الاسلامي الذي يضحي بحياته على مذبح مبادئه، يرى في المرأة نداء الخطيئة الذي يناضل من أجل إقامة مجتمع يستطيع إلغاء وجودها ككائن منظور،مثلما يجد فيها إمتدادا لسطوته، ففي الفلوجة استطاع الارهاب التوطن عبر زيجات نظمها أمراء السرايا الاسلامية بعد تعليمات جمعت الترغيب بالترهيب،ونصت على ضرورة ان يتطوع الأباء لتزويج بناتهم من المجاهدين القادمين من العالم العربي والاسلامي حتى إن لم يبلغ بعضهن السن القانونية. وفي وصية محمد عطا (قائد عملية تفجير برجي التجارة في نيويورك) بنود مهمة تتحدث عن ضرورة ان تبتعد النساء عن حضور جنازته، خاصة العذراوات والحوامل. وبصرف النظر عن قيمة تلك الوصية او صحتها، يظل المهم في الامر هو إدراك الترابط المكين بين فكرة الموت والحياة التي تمثلهما المرأة لتلك الجماعات في وضعها الاشكالي والمركّب. المرأة بما تشكله من قيمة للتوطن في المكان، وسيلة لتعزيز العلاقات والروابط بين أمراء الحرب المحليين والقادمين من الخارج،كما حصل في العراق وأفغانستان. فالكثير من أمراء القتال يملكون أربع زوجات من جنسيات مختلفة،حسب وجودهم في أماكن الحرب، والنساء والحالة هذه، يشكلن بالنسبة لهم، وجها من أوجه التمسك بالحياة والخصب. فالزواج يتناقض مع فكرة الموت التي تسكن المجاهدين وتقّربهم من الجنة. غير أن الجنة ذاتها لاتخلو من مفارقة تنطوي عليها ثقافة الارهاب، فهي تَعد الانتحاري بعدد كبير من العذراوات (الحور العين)، وبعض إعترافات الذين خرجوا من تجربة الارهاب تؤكد ان الدافع الأساسي لأقدامهم كانت تكمن وراءه فتنة الحصول على الحور العين.
ليس بمقدورنا الحديث اليوم عن الجانب السايكولوجي الذي يحكم علاقة الارهاب العربي - الإسلامي بالجنس، فهذا يحتاج الى مجتمع يتجاوز الخوف من الإعلان عن أشكال عطبه، ولكن العلاقة بين الجريمة المنظمة ودوافع المجرمين الجنسية، أيا كان نوعهم، هي من بين مباحث علماء النفس المهمة، فالقسوة التي تمضي الى منتهاها لابد من ان تكون تعبيرا عن مكبوتات الشعور بالضعة والهوان وعدم الكفاية الاجتماعية،بما فيها كفاية الحب،غير ان التعّود على ممارستها يخلق آلية الانفصال عن المجتمع وكراهية الحياة، ومظاهرها الجميلة. كانت وسيلة الطهرانيين على إمتداد تاريخهم في العالم سلخ الشباب عن وجودهم الارضي، وقتل المسرة البايولوجية فيهم، والتعويض عنها بمسرة روحية، ولكن فترة الإعداد، وهي الأكثر حسما في تكوين الانتحاري،تتحرك فيها براغماتية القادة الذين لايستهينون بأرواحهم مثلما يستهين بها الصغار،عبر زرع القناعة بالموت. والقناعة بالموت تأتي من الإيمان برخص الحياة التي يتحرك فيها الاعتقاد بين ذبذبات روحية عالية تصل العقل بالجنون. الأسرة الجديدة التي يعيش فيها المجاهد فترة الإعداد والتدريب في المعسكرات، تستأصل الروح الاسرية السابقة فيه، فهو يغترب عن الأم والزوجة والأخت،ويدخل حالة من الاستيحاش عن مجتمعه القديم، ليستعيض بحياة من نوع جديد تبنى على صداقات الايمان والعقيدة، بل صداقة إنتظار الموت.
في مجتمعات الحروب وسلطة المليشيات،مثل العراق وفلسطين،تبقى قصص إغتصاب النساء وملاحقتهن والاعتداء على حريتهن، تحصيل حاصل لسطوة العنف الفالت من كل عقال.تتحدث الاديبات الفلسطينيات عن قصص اغتصاب النساء وإختطافهن والتنكيل بهن، ضمن تلك الحركة المسعورة للعنف، ولكن تلك القصص تروى في الخلوات، وبين الكواليس، ولكن أياً منهن لاتجرؤ على الكتابة حولها. وهكذا يجري الحديث عن مجتمعات الاحتلال والعنف، فما يحسب ضمن المسكوت عنه، هو الامراض المستشرية التي تمر بها مجتمعات تمضي الى الهاوية من دون أن تعلم، والعراق من بينها. فحيث تكون سلطة المليشيات فوق كل السلطات، لن تكون المرأة وحدها التي تسحقها أقدام الرجال، بل يتطور دورها الى خاطفة ومتسترة على قتل بنات جنسها، وهذا ما يحدث في العراق الذي أصبح ملعبا للجريمة المنظمة، وداخل المجتمعات الاكثر تزمتا. فعصابة النساء اللواتي يتولين خطف الفتيات، إكتشفت في كربلاء. ولعل هذا النموذج الذي مرّ خبره عابرا في خاطر المنظمات النسائية العراقية، يحيلنا الى طبيعة العمل السياسي نفسه الذي تؤدي فيه المرأة برتوكولاً جميلا يغذي أحلامنا المزيفة.
 


لماذا لم ننتصر في الحرب على الإرهاب؟
 

باسكال بونيفاس

ما زلنا في مواجهة دائمة مع الخطر الإرهابي الذي لن يتم إبعاده بالسرعة المطلوبة. ومن ثم بات التحرك أمراً حتمياً، ولكن من دون اتخاذ مبادرات من شأنها أن تزيد الطين بلة في الوقت ذاته. إن الكثير من الغربيين يتساءلون: "هل نحن مستهدفون بسبب ما نحن عليه، أم بسبب ما نقوم به من تصرفات؟" بعضهم يؤيد الفكرة الأولى، ولاسيما أولئك الذين أيدوا الحرب ضد العراق، وبعضهم الآخر يؤيد الفكرة الثانية. وفي واقع الأمر، ليست هاتان الإجابتان صحيحتين في مجملهما، ولا مخطئتين كليا في الوقت نفسه.
صحيح أن الإرهابيين يضمرون الحقد للمجتمعات الديمقراطية الغربية، ولذلك فهم يستهدفوننا بسبب ما نحن عليه. وأفضل رد على ذلك هو التمسك بما نحن عليه، لأن التضحية بالديمقراطية وقاعدة القانون باسم محاربة الإرهاب هي من قبيل تكريس انتصارهم. ولكن ما قمنا به من تصرفات هو أيضاً سبب له أهميته. فحرب العراق لم تكن سبباً في ظهور الإرهاب، ولكنها عمدت إلى تطويره، مؤدية إلى ترسيخ فكرة أن العالم الغربي يعتدي على العالم الإسلامي. فجاءت هذه الحرب، التي تم شنها باسم محاربة الإرهاب، لتغذي هذه الفكرة بالذات. لقد كانت هذه الحقيقة موجودة حتى قبل الهجمات التي تعرضت لها لندن. ألم يقل صمويل هنتنغتون في شهر كانون الثاني 2005: "لقد عاش المسلمون اجتياح العراق على أنه حرب ضد الإسلام. وكان من المنطقي أن يفرز تصرف الولايات المتحدة على هذا النحو إرهاباً أكثر فأكثر... لقد تم إقحامنا اليوم بكل وضوح في حرب دينية يتحمل مسؤوليتها كل من بن لادن وجورج بوش". وفي شهر حزيران 2005، أوضحت الاستخبارات الأمريكية أن العراق أصبح معسكر تدريب للإسلاميين المتطرفين أكثر فاعلية من أفغانستان. ومع ذلك، يقول الرئيس جورج بوش في الوقت نفسه: "لقد بدأت سياستنا تحرز نجاحاً في العراق، وسنتمكن من إنجاز مهمتنا لتحقيق السلام العالمي".
ولا داعي للتذكير بأن بوش برر الحرب على العراق كثيراً بقوله إنه "يتعين محاربة الإرهابيين هناك أفضل من أن يعمدوا هم إلى مهاجمة العالم الغربي". كما حرص مسؤولون بريطانيون على نفي وجود أية علاقة بين حرب العراق والهجمات التي تعرضت لها لندن في تموز 2005، وبرغم أن المعهد الملكي للشؤون الخارجية قام أخيراً بنشر دراسة أفادت أن حرب العراق "زادت فاعلية الدعاية والتجنيد وجمع الأموال لصالح شبكة القاعدة".
لقد شهدت الآونة الأخيرة تصعيداً وخلطاً في آن معاً بين ما يمكن اعتباره "تبريرا للإرهاب" وبعض المواقف السياسية الموضوعية الأخرى، إذ قال وزير الخارجية البريطاني جاك سترو في تصريحات صحفية: "لم يعد هناك مجال لإيجاد أي أعذار للإرهابيين". ونلاحظ في هذا المقام تحديداً التفكير الذي يبلغ حدود الإرهاب الفكري بذاته. فهل يمكننا القول إن كل من كان قلقاً بشأن الطريقة التي تدار بها الحرب ضد الإرهاب يبحث عن أعذار للإرهاب؟ ليس الأمر كذلك، إنما كل ما يريده هو فهم الوضع حتى يتسنى التوصل إلى الوسائل التي تسمح بمحاربة الإرهاب بطريقة أفضل.
لا يمكننا، في أي حال من الأحوال، الموافقة على الفكرة التي مفادها أن"الذي ليس معنا فهو مع الإرهابيين". فخطر ذلك يتمثل في الوقوع في دوامة تقوم على تعزيز سياسة تتغذى من إخفاقها نفسه. فإذا كان مسكن جارك يحترق، لا يتعين التوقف عند الاختلافات القائمة بين الجيران عادة، وتوجيه الانتقادات حيال تصرفاته. ولكن المساعدة لا تعني في الوقت نفسه أن تبدل قناعاتك، وتتبنى مواقف لم تكن لتتبناها من قبل. فالتعاون على مستوى الشرطة والقضاء وأجهزة الاستخبارات أمر لا يختلف فيه اثنان، ولكن تبني السياسة الأمريكية - البريطانية في محاربة الإرهاب، في الوقت الذي تحمل فيه بوادر الإخفاق في طياتها، أمر يستدعي دراسة ممحصة. فمن المستبعد رؤية أولئك الذين كانوا يخشون أن تعمل حرب العراق على تطوير الإرهاب ينضمون إلى حرب لا نهاية لها، وتدار باستراتيجية غير سليمة، ولا سيما أن الانتصار في تلك الحرب أصبح أفقاً يتباعد كلما حاولنا الاقتراب منه. ولذلك، لا ينبغي ترك رجال الإطفاء المصابين بهوس الإحراق يحددون سياسة الوقاية من الحرائق. وإذا كان علينا ألا نغير ما نحن عليه، فيتعين علينا أن نولي اهتماماً أكثر لما نقوم به من تصرفات. وفي هذا السياق، يجدر التذكير بتصريح وزير الدفاع البريطاني السابق جيف هون، الذي رد على سؤال لهيئة الإذاعة البريطانية (بي. بي. سي) عن موت المدنيين في أثناء بعض العمليات العسكرية التي يقوم بها بلده، في 4 نيسان 2003، بقوله: "إن التبعات وخيمة للغاية، ولكن أمهات الأطفال الذين ماتوا بسبب هذه القنابل الانشطارية سيشكرن في يوم من الأيام البريطانيين على استعمالها من أجل إعطائهن إمكانية اتخاذ القرار بأنفسهن بشأن مستقبل بلدهن، عوضاً عن الاستمرار في العيش في بلد واقع تحت وطأة نظام جائر". وعلى الرغم من التصريحات حسنة النية وخطاب رفض صراع الحضارات، فإن السياسة التي تنتهجها واشنطن يعتبرها الكثير، بما في ذلك خارج العالم الإسلامي، سياسة اعتداء تمنح مصداقية أكثر للانتقادات اللاذعة الصادرة عن قادة القاعدة. وجاء اللجوء إلى الكذب بهدف إقناع الرأي العام، ليقضي على مصداقية الخطاب الأمريكي قضاء مبرماً. فلا يمكن إقناع جزء من الرأي العام الغربي بصحة هذا الخطاب، من خلال تأكيد وجود أسلحة الدمار الشامل في العراق، وأن صدام كانت له علاقة مع القاعدة، وأن موت مئة ألف شخص في الحرب لا يساوي شيئاً مقارنة بالفوائد السياسية التي تترتب عليها، وأن الأمور تسير على ما يرام في غوانتانامو، وأن ما جرى في (أبو غريب) مجرد أخطاء فردية، وأن المدنيين في الفلوجة لم يتعرضوا إلى أي ضرر وخيم، وأن الجيش الأمريكي تعامل مع السكان العراقيين بكل احترام، وأن الفلسطينيين ستكون لهم دولة دائمة في أقرب الآجال، وغيرها من المسائل. كيف لا يمكن إدراك أن ذلك ما فتئ يفقد مصداقيته يوماً بعد يوم، بما في ذلك داخل العالم الغربي؟ وكيف لا يمكن إدراك أن مثل هذه الأكاذيب كلها، باسم مزايا الديمقراطية وقيم المجتمع الغربي، جاءت لتغذّي الشعور بالحقد لدى بعضهم؟ ومن ثم، لا ينبغي تغيير ما نحن عليه، ولكن يتعين بكل تأكيد تغيير ما نقوم به من تصرفات، من خلال تبني ممارسات أكثر تطابقاً مع الخطاب الذي نعتمده.

عن: المركز الدولي لدراسات أمريكا والغرب
 


جنون الإرهاب الأصولي تحطيم العدل والاعتدال
 

ميثم الجنابي

إن كل متتبع لوسائل الدعاية والإعلام يلاحظ الفيض الهائل من الأخبار التي تحاصر المرء بسيل من "المعلومات" ذات الصلة بالأعمال "الإرهابية". وأصبحت كلمة الإرهاب عادية الاستعمال شأن الكثير من كلمات الدعاية والإعلان. بل أنها تحولت إلى "الكلمة الحلوة" التي أخذت تزيح كلمات الثورة والانتفاضة والحرية التي كانت تطرب لها الآذان قبل عقود. وهو أمر يشير إلى تغير عاصف في المزاج الإعلامي من جهة، والى بروز ظاهرة مثيرة تجمع بقدر واحد العقل والجنون من جهة أخرى.
فالإرهاب المعاصر يتحصن برؤية "عقلية" لا عقلانية فيها، مبنية شأن الكثير من النزعات العصابية، على يقين جازم بتمثل الحق والحقيقة. وهو الأمر الذي يجعل منها قوة شأن كل تيار جارف وسيل مخرب برغم ما فيه من مياه هي مصدر الحياة! وهي المفارقة التي تطبع في الواقع مضمون الحركات الراديكالية جميعا على امتداد التاريخ البشري.
فالعمليات الإرهابية المعاصرة التي تقدم أرواح "الشهداء" المعجون بدم الأبرياء (كما يجري في العراق على سبيل المثال) هي الصيغة الجلية لبلوغ العقل الماكر "تكنولوجيا" الخداع الأصولي. والقضية هنا ليست فقط في أن الأصولية بحد ذاتها وهم متكامل في منظومة العقائد العملية للراديكاليات الإسلامية المعاصرة، بل لرذيلتها السياسية القائمة في تحويل الهوس المجنون للعدوان إلى "عقيدة مقدسة". أنها تحول ما يسمى بتجاوز عقدة الخوف وغريزة البقاء وما شابه ذلك من تأويلات إلى"دليل" على ارتقاء "المقاومة" و"التحدي" إلى مصاف النموذج الأمثل للإرادة الإنسانية. وهي تأويلات تتطابق من حيث مضمونها الفعلي مع واقع الاستخفاف بالعقل وبمعنى الشهادة والتضحية والإرادة الإنسانية.
والقضية هنا لا تقوم فقط على أن الإرهاب الأصولي يدفع فكرة التضحية والشهادة إلى الأمام ويجعل منها مضمون العقيدة المقدسة، بل لما فيه من استغلال بشع لرهينة الفتوة. وفي هذا يكمن سر "العقل المدبر" لجنون المآرب السياسية. إذ أننا لا نرى ولا نسمع ولا نشهد زعيما سياسيا لحركة إسلامية تدعم العمليات الانتحارية قد اقدم على واحدة منها! أن ذلك لا يتضمن دعوة للقيام بهذا النوع من الأعمال، وذلك لانعدام قوة الدليل المنطقي فيها بحد ذاته، إلا انه مؤشر على فاعلية العقل الماكر في استهواء الروح الكفاحية والرومانسية العكرة في فتوة الشباب، أي كل ما يصنع ثقافة الموت الأصولية التي لا تعني الحياة بالنسبة لها اكثر من هبة قيمتها تكمن في التبرع بها "لرب الأرباب"! وهو تبرع يتنافى مع فكرة الخلق الإلهي والرعاية الربانية والرحمة الإلهية وفكرة المعاد والوعد والوعيد. باختصار أنها تتناقض مع مضمون الفكرة الإسلامية عن معنى الحياة وإشكالية الموت. لكن حالما تصبح الدعاية الأصولية ناطقة باسم "الحق المقدس" فان الله والقرآن والسّنة يتحولون إلى ألسن مهمتها البوح بالتأييد التام واليقين الجازم بصحة ما يجري!
إن انحدار الرؤية الأصولية صوب التطويع التام والشامل للمقدس هو عين الجنون السياسي الذي لا يمكنه تجاوز عقبة إلا ويصنع ما هو اشد منها. وهي عملية نتيجتها النهائية الاندثار الحتمي بعد أن تكون قد أرهقت المجتمع والدولة والفكر بتضحيات لا معنى لها. بعبارة أخرى، إن مفارقة الإرهاب الأصولي تكمن في تأسيسها فكرة الشهادة والتضحية التي لا تتعدى في الواقع سوى إعادة إنتاج القتل والتدمير والتخريب، بمعنى إفقاد العقل من كل أبعاده العقلانية عبر تحويله إلى إيمان متعصب عصابي عدائي. وهي النتيجة التي يؤدي إليها التطرف والغلو، كما انها النهاية الحتمية للحركات الراديكالية المتطرفة.
فمن حيث هو ظاهرة اجتماعية سياسية وأيديولوجية، يرتبط الإرهاب الأصولي ارتباطا عضويا بنفسية وذهنية التطرف والغلوّ. وهو ارتباط له نماذجه التاريخية العريقة والعديدة. إلا أن خصوصيته تقوم في كونه الرد الضيق على ضيق الأصولية السائدة أو "أصولية" الأنظمة الاستبدادية. وبهذا المعنى فان لكل أمة وثقافة في مرحلة من مراحلها مستويات ونماذج من التطرف والغلو، ومن ثم نماذج ومستويات من "الإرهاب الأصولي" المناسبة لهما. ذلك يعني أن "للإرهاب الأصولي" مظاهر على مستوى الدولة، وأحيانا على مستوى الأمم وأحيانا على مستوى الأحزاب والحركات والأفراد.
وبغض النظر عن تباينها الشكلي فان ما يجمعها هو جنون الإرهاب. بمعنى فقدان الأوزان الداخلية الصانعة فكرة الاعتدال وضرورته المادية والمعنوية للفرد والجماعة والأمة والدولة والثقافة. وليس مصادفة أن تنغلق الحركات الإرهابية مع مرور الزمن على نفسها وتتقوقع في هيئة كيانات مريضة أسلوبها الوحيد للاستمرار هو الاندثار أو الذوبان في أمراض معدية جديدة. من هنا طابعها الضيق وانغلاقها التاريخي وعجزها عن تقديم بدائل إيجابية. وليس مصادفة أيضا أن تجري إدانتها التاريخية والسياسية والفكرية والأخلاقية والقانونية. إلا أن قدرتها الحالية على البقاء ضمن "حضيرة الاسلام"، بل التأييد الهائل لها من جانب "الشارع المسلم" والمؤسسات السلفية هو النتاج الملازم لفقدان الاعتدال العقلاني في العالم العربي على مستوى الدولة والمجتمع والثقافة. وبالتالي انحطاط الدين أيضا بوصفه القوة الجارفة في تيار الأصولية المعاصرة وإرهابها المنظم!
لقد شكلت الرؤية الإسلامية في مراحل ازدهار الحضارة الإسلامية وسطا طاردا للغلو والتطرف. من هنا سيادة فكرة الوسط والاعتدال التي ارتقت إلى مصاف العقيدة الكبرى والجوهرية للإسلام بحيث جعلت من "الأمة الوسط": نموذجها الأفضل في الوجود. وفيها كانت تتجلى عقلانية الثقافة الإسلامية في موقفها من التطرف والغلو. وهي عقلانية وجدت انعكاسها المتنوع والمتباين في مختلف الفرق الكلامية والمدارس الفلسفية والاجتهادات الفقهية والسياسية. وهي اجتهادات كانت تسعى للبرهنة على أن المقصود بالاعتدال هو العدل. وهو الشرط الضروري الذي كانت المدارس والفرق العقلانية الإسلامية تضعه في تقييم الأفعال السياسية والاجتماعية للأفراد والجماعات والسلطة والدولة. وهي ذخيرة تبعثرها الأصولية الإسلامية المعاصرة في إرهابها الذي تتطاير في اغلبه جثث وأرواح المسلمين أولا وقبل كل شئ. وفيما لو وضعنا هذه الصورة الأدبية بعبارة سياسية صريحة، فإنها تعني ما يلي: إن الإرهاب الأصولي يحطم في أقواله وأعماله ونياته قيم العدل والاعتدال. وبالتالي فانه لا يصنع في الواقع سوى جثث فارغة، أرواحها هي عين الديناميت المتطاير مع صفائح الحديد وآلام الأبرياء وأحزان الأمهات.
 

 

 

للاتصال بنا  -  عن المدى   -   الصفحة الرئيسة